صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
190
شرح أصول الكافي
كقوله : وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ « 1 » ، وقوله : حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ « 2 » ، والملك الموكل بهذا التصوير الكاتب لهذه الأرقام الإلهية القدرية ملك كريم من جنس ما قال تعالى : كِراماً كاتِبِينَ « 3 » ، والله سبحانه هو المملى عليه على وجه يليق بعنايته المبرأة عن التغير والحدوث . ولو لم يكن الامر كذلك من توسيط هذه النفوس القابلة لتعاقب الصور الإرادية الواردة عليها غير متجاوز منها « 4 » على حسب توارد الأرقام العلمية عليها ، لكانت الأمور كلها حتما مقضيا وكان الفيض الإلهي مقصورا على عدد معين غير متجاوز عن حدود الابداع ، فما حدث حادث في العالم ولا تجدد متكون وكان قد انسدت طرق الاهتداء للسالكين من المنزل الأدنى إلى الاعلى ولا الاستنارة بعد الاستنارة للنفوس الانسانية والخروج من ظلمات البعد إلى نور القرب من الله . وبالجملة : امتنعت مراتب سلسلة العود إلى الله بافرادها وآحادها ، والأصول البرهانية والنصوص القرآنيّة مما تبطل هذا وما يلزمه ، فظهر أن التجدد في العلوم والأحوال وسنوح الإرادات والاعمال لضرب من الملائكة العمالة بإذن الله المتعال وهم الكرام الكاتبون سائغ غير ممتنع ولا مستبعد . فنقول : إذا اتصلت بها نفس النبي أو الولي عليهما السلام وقرءا فيها ما أوحى الله به إليهم وكتب في قلوبهم فله ان يخبر بما رآه بعين قلبه أو شاهده بنور بصيرته أو سمع باذن قلبه من صرير أقلام أولئك الكرام كما رأى إبراهيم عليه السلام انه ذبح ابنه إسماعيل ، فإذا اخبر به الناس أو أراد ان يعمل بمقتضاه كان قوله حقا وصدقا وعمله مرضيا عند الله ، لأنه عن شهود كشفى لا كقول المنجم أو الكاهن فيما يقولانه عن تجربة الناقصة « 5 » أو ظن أو نحو ذلك . ثم إذا اتصلت نفسه بها تارة أخرى ورأى في تلك الألواح غير ما رآه أولا وغير ما ناسبته الصور السابقة ، فيقال لمثل هذا الامر النسخ والبداء وما أشبههما ، ولا يمكن
--> ( 1 ) . محمد / 31 ( 2 ) . محمد / 31 ( 3 ) . الانفطار / 11 ( 4 ) . الإرادية منها - م - د ( 5 ) . ناقصة - م - د